جلال الدين السيوطي

83

الإتقان في علوم القرآن

التهديد والتعنيف لهم ، والإنكار عليهم ، بخلاف النصف الأول . وما نزل منه في اليهود لم يحتج إلى إيرادها فيه لذلتهم وضعفهم « 1 » ؛ ذكره العمانيّ « 2 » . فائدة : أخرج الطبراني « 3 » ، عن ابن مسعود : نزل المفصّل بمكة ، فمكثنا حججا نقرؤه ، لا ينزل غيره . تنبيه : قد تبين بما ذكرناه من الأوجه التي ذكرها ابن حبيب : المكيّ والمدنيّ ، وما اختلف فيه ، وترتيب نزول ذلك ، والآيات المدنيّات في السور المكيّة والآيات المكيّات في السورة المدنية ، وبقي أوجه تتعلّق بهذا النوع ذكر هو أمثلتها فنذكره . مثال ما نزل بمكّة وحكمه مدنيّ « 4 » : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى [ الحجرات : 13 ] الآية ، نزل بمكة يوم الفتح ، وهي مدنيّة ، لأنها نزلت بعد الهجرة . وقوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ المائدة : 3 ] كذلك . قلت : وكذا قوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [ النساء : 58 ] في آيات أخر . ومثال ما نزل بالمدينة وحكمه مكيّ « 5 » : سورة الممتحنة ؛ فإنّها نزلت بالمدينة مخاطبة لأهل مكة . وقوله في النحل : وَالَّذِينَ هاجَرُوا [ النحل : 41 ] إلى آخرها ، نزل بالمدينة مخاطبا به أهل مكة . وصدر براءة ، نزل بالمدينة خطابا لمشركي أهل مكة . ومثال ما يشبه تنزيل المدنيّ في السور المكية « 6 » : قوله في النجم : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ

--> ( 1 ) قال مكي في كتابه : « شرح كلا ، وبلى ، ونعم » ص 23 . 24 : « . . . لأن فيها معنى التهدد والوعيد ، ولذلك لم تقع في القرآن إلا في سورة مكية ؛ لأن التهدد والوعيد أكثر ما نزل بمكة ، لأن أكثر عتوّ المشركين وتجبّرهم بمكة كان ، فإذا رأيت سورة فيها « كلا » فاعلم أنها مكية » ا ه . واعترض عليه ابن هشام ، فقال في مغني الأعاريب 1 / 206 : « وفيه نظر ؛ لأن لزوم المكية ، إنما يكون عن اختصاص العتو بها لا عن غلبته ، ثم لا تمنع الإشارة إلى عتو سابق ، ثم لا يظهر معنى الزجر في « كلا » المسبوقة بنحو : في أي صورة ما شاء ركبك » . . . إلى آخر كلامه . ( 2 ) لعله الحسن بن علي بن سعيد العماني ، أبو محمد ، من تصانيفه : الوقف والابتداء ، والمرشد ، انظر طبقات القراء لابن الجزري 1 / 223 ، ومعجم المؤلفين 3 / 254 . ( 3 ) رواه الطبراني في الأوسط ، وفيه خديج بن معاوية : وثّقه أحمد وغيره ، وضعّفه جماعة ، كما في المجمع 7 / 157 . ( 4 ) انظر البرهان 1 / 195 . ( 5 ) انظر البرهان 1 / 195 . ( 6 ) انظر البرهان 1 / 196 .